الشريف الرضي

66

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

وذلك أن سياق الآية والآية التي تليها تدل على أن هذا الملك الذي يؤتيه الله وينزعه إنما هو في الدنيا دون الآخرة ، ألا ترى إلى قوله تعالى تالي ذلك : ( وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي . . الآية ) ! ، وهذا كله من أحوال الدنيا ، لا مدخل فيه لامر الآخرة . 6 - وقال بعضهم : ( المراد بالملك ههنا النبوة ، وكأنه تعالى قال : ( تؤتي النبوة من تشاء ، وتنزعها ممن تشاء ) ، فهذا القول محكي عن مجاهد بن جبير ، ونزع النبوة يكون على وجهين : أحدهما باخترام النبي بعد تبليغه ، وتحويله إلى ما أعد الله له من ثوابه وجنته . والوجه الآخر : أن يكون بمعنى صرف النبوة عمن ( شاء ) [ 1 ] وإن كان تعالى لم يلبسها من صرفها عنه ، فينزعها منه ، ولكنه قال ذلك مجازا ، لأنه قد كان قوم يتوقعون النبوة قبل إرسال النبي [ ص ] ويعتقدون أنهم سيكونون أنبياء ورسلا : منهم ورقة بن نوفل ، ومنهم أمية بن أبي الصلت الثقفي ، وغيرهما ، فجاز في اتساع اللغة أن يصف تعالى نفسه بأنه نزع النبوة عنهم وآتاهم غيرهم ، لأنهم كانوا - بزعمهم - يعتقدون أنهم أهل لها ، ويتوقعون الاصفاء بها . واستشهد من يقول : إن الملك ههنا النبوة ، بقوله تعالى : ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ) [ 2 ] ،

--> ( 1 ) وفي ( خ ) : يشاء ( 2 ) البقرة : 258 .